السيد هاشم البحراني
591
البرهان في تفسير القرآن
هذا نظراء ؟ قال : بلى ، قال : أفصرت بذلك أنت وهم أنبياء ؟ قال : لا قال : فكذلك لا يصير هذا حجة لمحمد لو فعله ، على نبوته ، فما هو إلا كقولك : لن نؤمن لك حتى تقوم وتمشي على الأرض أو حتى تأكل الطعام كما يأكل الناس . وأما قولك يا عبد الله : أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتأكل منها وتطعمنا وتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ؟ أوليس لك ولأصحابك جنان من نخيل وعنب بالطائف تأكلون وتطعمون منها وتفجرون الأنهار خلالها تفجيرا ؟ أفصرتم أنبياء بهذا ؟ قال : لا ، قال : فما بال اقتراحكم على رسول الله أشياء لو كانت كما تقترحون لما دلت على صدقه ، بل لو تعاطاها لدل تعاطيه إياها على كذبه ، لأنه حينئذ يحتج بما لا حجة فيه ، ويخدع الضعفاء عن عقولهم وأديانهم . ورسول رب العالمين يجل ويرتفع عن هذا . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا عبد الله ، وأما قولك : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ، فإنك قلت : وإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ ) * فإن في سقوط السماء عليكم موتكم وهلاككم ، فإنما تريد بهذا من رسول الله أن يهلكك ، ورسول « 1 » رب العالمين أرحم بك من ذلك ، ولا يهلك ، لكنه يقيم عليك حجج الله ، وليس حجج الله لنبيه وحده على حسب الاقتراح من عباده ، لأن العباد جهال بما يجوز من الصلاح ، وبما لا يجوز من الفساد ، وقد يختلف اقتراحهم ويتضاد حتى يستحيل وقوعه ، إذ لو كانت اقتراحاتهم واقعة لجاز أن تقترح أنت أن تسقط السماء عليكم ، ويقترح غيرك أن لا تسقط عليكم السماء بل أن ترفع الأرض إلى السماء وتقع السماء عليها ، فكان ذلك يتضاد ويتنافى ويستحيل وقوعه ، والله تعالى لا يجري تدبيره على ما يلزم به المحال . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : وهل رأيت - يا عبد الله - طبيبا كان دواؤه للمرضى على حسب اقتراحاتهم ؟ وإنما يفعل بهم ما يعلم صلاحهم فيه ، أحبه العليل أو كرهه ، فأنتم المرضى والله طبيبكم ، فان انقدتم لدوائه شفاكم ، وإن تمردتم عليه أسقمكم وبعد ، فمتى رأيت - يا عبد الله - مدعي حق من قبل رجل أوجب عليه حاكم من حكامهم - فيما مضى - بينة على دعواه على حسب اقتراح المدعى عليه ؟ إذن ما كان يثبت لأحد على أحد دعوى ولا حق ، ولا كان بين ظالم ومظلوم ولا بين صادق وكاذب فرق . ثم قال : يا عبد الله ، وأما قولك : أو تأتي بالله والملائكة قبيلا يقابلوننا ونعاينهم فإن هذا من المحال الذي لا خفاء به ، إن ربنا عز وجل ليس كالمخلوقين يجيء ويذهب ويتحرك ويقابل شيئا حتى يؤتى به ، فقد سألتم بهذا المحال ، وإنما هذا الذي دعوت إليه صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم ، ولا تغني عنكم شيئا ولا عن أحد . يا عبد الله ، أوليس لك ضياع وجنان بالطائف وعقار بمكة وقوام عليها ؟ قال : بلى ، قال : أفتشاهد جميع أحوالها بنفسك أو بسفراء بينك وبين معامليك ؟ قال : بسفراء ، قال : أرأيت لو قال معاملوك وأكرتك وخدمك لسفرائك : لا نصدقكم في هذه السفارة إلا أن تأتونا بعبد الله بن أبي أمية لنشاهده فنسمع ما تقولون عنه شفاها ، كنت تسوغهم هذا ، أو كان يجوز لهم عندك ذلك ؟ قال : لا ، قال : فما الذي يجب على سفرائك ؟ أليس أن
--> ( 1 ) ( رسول ) ليس في « س » .